الخميس، 2 مارس، 2017

لا اريد لهذا الليل ان ينجلي......



الساعة الرابعة صباحا ،يكتسي الوجود صبغة السكون والصفاء،تتسق الالوان في خضم الاسود،يصبح ههنا اكثر لطفا ويدع المجال لضوء القمر ان يبدو في جلاء،تمثل جلي للسلام،يفقد النهار ههنا معناه ولايرادفه الانتظار،ولايبقى من اسمه سوى فنجان قهوة،في هذه الساعة تتماسك مكونات الزمن والمكان وتبدو واحدا،والناظر خلالهما يعبر من ذاته الى خارجها دونما قيد او إشكال،حتى الآخر يبدو اكثر جلاء ً،لا يبحث الانا خلاله ولا يقيم معه علاقة وجود إنعكاسية ،كل شيء بينهما يفقد منطقه إزاء الليل وما يمنحه من فسحة للسلام و الالف مع المحيط.

تقفز الافكار من عوالمها ،لعوالم الليل ،نوع من الترحال بحثا عن المعنى او المدى،تغيب الاحداث ولايبقى منها غير شريط يمر بين الاعين مرور الكرام حتى السلام لا يلقيه.يتلاشى الوقت و المكان في ذات الان،حتى الشعور يتجمد ،فلا يسأل اسئلته البليدة ،كيف ؟و لم ؟ومن؟وماذا؟،يكون الجواب ههنا معلوما مسبقا ،وهو الاحساس الكامل بهبوب ريح السكون والهدوء،وتضع قابلية السؤال عن السؤال امرا هشا،فلا معنى له في هذه اللحظة،يبدو كل شيء منطقيا و بسيطا وقلما ترادف المفهومان،تنمحي دلالات الالوان حين تسقط بصيغة الاخر ،فكل شخص لون و كل لون معنى،والمعنى لايبدو في كل مرة جليا،ولعل صيغة التوازن تكمن في الايمان بنسبية المعنى ،وكونها مبنية على نظر شخصي ،وكما يقال ليس كل مايلمع ذهبا،وليس بالمثل كل اسود قاتما موحشا ،بل قد يكون ضياءً كهذا الليل.

لا اريد لهذا الليل ان ينجلي،اقله انه صادق ويبرز سواده في عنفوان تام،عكس النهار حيث تبرز متناقضات بصورة الترادف ،في الاقوال والافعال،بين الجموع ،وبين الافراد،بين الحكام والمحكومين،بين العاشقين و المتنافرين،كأن كل شيء في النهار يعاش بنقيض المعنى الذي ينبثق منه ،إلى اين المسير هكذا ؟ إلى متى ستبقى قابلية التعايش وتبني القناعات لاجذرية بقدر ماهي صورية،إلى متى يدعي الفاسد محاربة الفساد، والخبيث دعوة الاصلاح،ويتكلم الجاهل بصيغة العارفين،أ نذعن لفلسفة التناقض هاته ونتعايش معها كمرض مزمن؟ ام هنالك حل؟ لن يكون فوريا ،هذا اكيد ،واقله الالمام وترسيخ قناعات على اساس معنى سليم يكرم ملكة العقل للمرء،فلا يستقيم ان يصمت العالم ويتكلم الجاهل،وليس المعنى في الكلام المحض ،بقدر ماهو سير حثيث وعمل كثيف يرجو وضع الامةوالمفاهيم في سياقها السليم،مكرسا لصدق مع الذات وثبوت على المبدأ ،المهم الا يكون قناعة او مبدأًصوريا ،بقدر ماهو انبثاق من حرية العقل حين يكون حاضرا لا مغيبا،في الليل فقط يبسط العقل سلطانه وههنا الفرصة السانحة لمجالسته ،نقده و محاسبته دون هوادة،لا اريد لهذا الليل ان ينجلي الا ان تخفت هالة متناقضات النهار و تنمحي،لا اريد لهذا الليل ان ينجلي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق